عبد الوهاب الشعراني
297
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
فإن علمها طريقة الكشف لا غير ، وأما من اشتغل بحفظ كلامه الناس أو جمع الحقائق ولسان المتكلمين في الطريق والطرائق فمتى يعيش عمرا آخر حتى يفرغ من عمر الفناء إلى عمر البقاء ، فإن القوم كانوا محبين وكل منهم يتكلم بلسان محبته وذوقه فهو كلام لا يحصر وبحر غرق فيه خلق كثير ولا وصل أحد إلى قعره ولا إلى ساحله وإنما يذكر العارف كلام غيره تسترا على نفسه أو تنفيسا لما يجده من ضيق الكتمان آه . . . آه ولقد شهد اللّه العظيم أني ما أتكلم قط أو أخط في قرطاس إلا وأتوخى أن يكون ذلك شاغلا أو بيانا لمعنى غامض على الناس لا غير فإن الصدق قد ذهب من أكثر الناس . وكان رضي اللّه عنه يقول : جميع المعبرين والمؤولين والمتكلمين في علم التوحيد والتفسير لم يصلوا إلى عشر معشار معرفة كنه إدراك معرفة معنى حرف واحد من حروف القرآن العظيم . وكان يقول : أول الطريق الخروج عن النفس والتلف والضيق والحظ فإن الفلاح والنجاح والصلاح والهدى والأرباح لا تصح إلا لمن ترك الحظ وقابل الأذى والشر بالاحتمال والخير ووسع خلقه والفقير لا يكون له يد ولا لسان ولا كلام ولا صرف ولا شطح ولا فعل رديء ، ولا يصرفه عن محبوبه صارف ولا ترده السيوف والمتالف . وكان رضي اللّه عنه يقول : أكل الحرام يفسد على العامل عمله ، ومعاشرة أهل الأدناس تورث الظلمة للبصر والبصيرة . وكان رضي اللّه عنه يقول : إن اللّه عز وجلّ يحب من عباده أخوفهم منه وأطهرهم قلبا وفرجا ولسانا ويدا وأعفهم وأعفاهم وأكرمهم وأكثرهم ذكرا وأوسعهم صدرا . وكان يقول : من كان في الحضرة نظر الدنيا والآخرة . وكان يقول : إياكم والدعوات الكاذبة فإنها تسود الوجه وتعمي البصيرة وإياكم ومؤاخاة النساء وإطلاق البصر في رؤيتهن والقول بالشاهد والمشي مع الأحداث في الطرقات ، فإن هذا كله نفوس وشهوات ، ومن أحدث في طريق القوم ما ليس فيها فليس هو منا ولا فينا ، قال اللّه تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا « 1 » وكان رضي اللّه عنه يتكلم بالعجمي والسرياني والعبراني والزنجي وسائر لغات الطيور والوحش .
--> ( 1 ) سورة الحشرة : الآية 7 .